كثيرا ما نقرأ أو نسمع أن فلانا "غيّر
رأيه"، فتتكفل وسائل التواصل بإحياء التهمة على طريقتها: مقطع قديم يُعاد
نشره، تغريدة من سنوات، مقالة نُبشت من أرشيف منسي، توضع كلها جنبا إلى جنب مع
موقف اليوم، وكأن المطلوب فضح صاحبها لا فهمه. وقد وجدتُ نفسي شخصياً أكثر من مرة
أمام هذا الاتهام بعينه: أنت قلت كذا، وها أنت تقول عكسه، وكأن القول الأول عقد لا
يجوز فسخه.
وهذه اللعبة أوضح ما تكون في السياسة: المعارض
الذي أصبح موالياً، والموالي الذي أصبح معارضاً، يُقرأ تحوّله غالباً بوصفه خيانة
أو انتهازية، ونادراً بوصفه أثراً لتجربة أو مراجعة حقيقية. لكن الأمر نفسه يتكرر
في كل ميدان تقريباً: في الدين، حين يغيّر أحدهم مذهبه أو يخفّف من تشدده؛ وفي
الأدب والنقد، حين يمدح ناقد كتابا ثم يهجوه بعد سنوات؛ وفي الفن، حين ينقلب فنان
على مدرسته الأولى.
فما زلنا نتعامل بمنطق "ما زين على فم اشكر".. وفي كل هذه الحالات
يُقدَّم صاحب التحول كمن ضُبط متلبساً بتناقض، لا كمن فكّر فتغيّر.
والحقيقة أن من طبيعة قراءة الأفكار والرؤى أن
تترك أثرا في قارئها. وقد يكون هذا الأثر توافقا تاما مع ما قرأ، أو توافقا جزئيا،
وقد يكون خصاما حادا مع الفكرة وصاحبها. غير أن الخصومة الفكرية نفسها لا تعني
بالضرورة القطيعة؛ فقد يختلف القارئ مع كتاب اختلافا شديدا، ثم يعود إليه بعد
سنوات، فيكتشف فيه ما لم يره أول مرة.
فالقراءة الواعية ليست عملية استقبال ساكنة،
وإنما هي اشتباك مستمر بين ما نقرأه وما نعرفه وما نعتقده وما عشناه. وكل قراءة
جادة تضع شيئا جديدا في ميزان العقل، وقد ترجح كفة كانت خفيفة، أو تخفف من ثقل كفة
أخرى.
ولعل هذا هو الفارق بين من يقرأ ليجمع المعلومات،
ومن يقرأ ليعيد بناء نفسه.
ومن يقرأ ليعيد بناء نفسه لا يملك أن يدخل الكتاب
مسلحاً بالرفض المسبق، ولا خاضعاً للتسليم الأعمى. وهذا بالضبط ما كان يراه فرنسيس
بيكون، إذ رأى أن القراءة لا ينبغي أن تكون بحثا عن المخالفة والمجادلة، كما لا
ينبغي أن تكون استسلاما لما يقوله الكتاب. يقول في مقاله «في الدراسات»: «لا تقرأ
لتناقض وتفنّد، ولا لتصدق وتأخذ ما تقرأه مسلما به، وإنما لتزن وتتأمل»
(Read not to contradict and confute; nor to
believe and take for granted; but to weigh and consider).
ثم يشبه
الكتب بأن منها ما يُتذوق، ومنها ما يُبتلع، ومنها القليل الذي ينبغي أن يُمضغ
ويُهضم.
(Some books are to be tasted, others to be
swallowed, and some few to be chewed and digested).
وهذه ربما تكون واحدة من أفضل القواعد التي يمكن
أن تحكم علاقتنا بالقراءة: لا تدخل الكتاب مسلحا بالرفض، ولا تدخل إليه منزوع
السلاح.
اقرأ.
ثم زن.
ثم فكر.
ثم اختلف إن وجدت سببا للاختلاف، واتفق إن وجدت
سببا للاتفاق.
لكن لا تجعل موقفك الأول سجنا لموقفك الأخير.
فمع ممارسة القراءة الواعية تتشكل داخل الإنسان
صيرورة فكرية متواصلة. وقد تختلف سرعة هذه الصيرورة من قارئ إلى آخر، بحسب اتساع
تجربته، ونوعية ما يقرأ، ودرجة انفتاحه على الأفكار المختلفة، وقدرته على التأمل
والنقد.
ومن الطبيعي، والحال هذه، أن ينتقل الإنسان من
فكرة كان يدافع عنها بشدة إلى فكرة أخرى مغايرة لها بعد سنوات. وليس هذا بالضرورة
اضطرابا أو تناقضا أو خفة في الموقف. قد يكون، في كثير من الأحيان، علامة على شيء
أكثر نضجا: القدرة على اكتشاف الخطأ والتراجع عنه، وعلى قبول الصواب حين يظهر، حتى
لو جاء من الجهة التي كنا نختلف معها.
المشكلة ليست في أن يغير الإنسان رأيه.
المشكلة أن يغير رأيه بلا سبب، أو أن يرفض تغييره
ولو تغيرت الأسباب.
وهنا يحضرنا دفاع سقراط عند أفلاطون حيث كان يرى
نفسه أكثر حكمة ممن يظن أنه يعرف ما لا يعرف، لأنه هو، حين لا يعرف، لا يظن أنه
يعرف.
إنها فضيلة معرفية نادرة: أن تعرف حدود معرفتك.
ولذلك فإن القارئ الحقيقي لا ينبغي أن يكون شديد
الولاء لآرائه القديمة لمجرد أنها آراؤه. فالآراء ليست أبناءً يجب الدفاع عنهم
مهما ارتكبوا من الأخطاء، وإنما هي نتائج مؤقتة لرحلة العقل في المعرفة والتجربة.
وقد عبّر عن هذا المعنى، في سياق مختلف، ما ينسب
إلى الإمام الشافعي:
كلما أدبني الدهـــ**ــــــــرُ أراني نقصَ عقلي
وإذا ما ازددت علماً ** زادني علما بجهلي
فالإنسان كلما اتسعت دائرة ما يعرفه، اتسعت معها
دائرة ما يدرك أنه لا يعرف.
وهذه الدائرة المتسعة لا تكتفي بتغيير ما نعرفه؛
إنها تغيّر الطريقة التي نُكوّن بها آراءنا من الأساس. في البداية قد نقرأ بحثا عن
إجابة.
ثم نتعلم أن نقرأ بحثا عن السؤال نفسه.
ثم نتعلم، مع الوقت، أن السؤال قد يكون أهم من
الإجابة، وأن بعض الإجابات التي بدت لنا نهائية في مرحلة ما ليست سوى محطة في طريق
أطول.
ومن هنا تنمو الحاسة النقدية.
فالقارئ القديم قد ينبهر بالفكرة لأنها جديدة،
بينما القارئ الذي راكم خبرة طويلة في القراءة يبدأ في سؤال آخر: ما مصدر هذه
الفكرة؟ ما حجتها؟ ما الذي تستند إليه؟ ما الذي أغفلته؟ هل تنطبق في كل الحالات؟
هل يمكن أن يكون فيها جزء من الصواب وجزء من الخطأ؟
عند هذه النقطة تتحول القراءة من استهلاك للأفكار
إلى محاكمة هادئة لها.
وهذا لا يعني أن القارئ الناضج يصبح متشككا في كل
شيء. على العكس، إن كثرة القراءة الجادة قد تمنحه قدرة أفضل على التمييز بين ما
يستحق الثقة وما يستحق التحفظ، وبين ما ينبغي قبوله وما ينبغي مناقشته.
ولذلك فليست كثرة الكتب وحدها هي التي تصنع قارئا
جيدا.
يمكن لإنسان أن يقرأ مئات الكتب ويبقى أسير أول
فكرة آمن بها، ويمكن لآخر أن يقرأ عددا أقل، لكنه يقرأ ببطء، ويفكر، ويقارن،
ويراجع، ويعيد النظر.
القراءة التي لا تغير في صاحبها شيئا قد تكون
مجرد تراكم للمعلومات.
أما القراءة التي تغير طريقة نظره إلى الأشياء،
فهي تربية للعقل.
وربما لهذا كان الشاعر الإنكليزي ألفرد تنيسون
يقول
Let knowledge grow from more to more
أي: دع المعرفة تنمو من مزيد إلى مزيد.
المعرفة هنا ليست خزانا يمتلئ ثم يغلق صاحبه
بابه. إنها شيء ينمو، ومع نموها تتغير علاقتنا بما كنا نظنه يقينا.
وقد يكون أجمل ما يصل إليه القارئ بعد سنوات من
القراءة أنه لم يعد بحاجة إلى أن ينتصر في كل نقاش.
يكفيه أحيانا أن يقول: كنت أظن ذلك، ثم قرأت،
وفكرت، وتغير رأيي.
وهذه ليست هزيمة.
إنها إحدى صور الانتصار النادرة التي لا تحتاج
إلى خصم.
فالعقل الجامد يظل وفيا لماضيه ولو خانه الدليل،
والعقل السائل يراجع نفسه كلما اتسعت رؤيته. وبين الجمود والسيولة توجد منزلة
أظنها أكثر إنسانية واتزانا: أن تكون لك مواقف، لكن أن تترك لها بابا مفتوحا
للمراجعة.
أن تعرف ما تعتقده، ولماذا تعتقده، وأن تكون
مستعدا، إذا ظهرت لك حجة أقوى، لأن تقول ببساطة:
كنت مخطئا.
ثم تمضي.
فالقارئ، في نهاية الأمر، لا يقرأ الكتب فقط.
إنه يقرأ نفسه بينها.
ومع كل كتاب جيد، وكل فكرة جديدة، وكل خلاف فكري
صادق، يعيد كتابة شيء من هذه السيرة الداخلية.
ولهذا فإن القارئ بعد عشرين عاما من القراءة
الجادة لا ينبغي أن يكون هو الشخص نفسه الذي فتح كتابه الأول.
لو ظل كذلك، فإنه ما قرأ كتابا في حياته مهما بلغ
عدد الصفحات التي مرّ عليها.
محمد ولد إمام














